جيرار جهامي ، سميح دغيم
336
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
المنزّه والعميق ؛ وليس هو عماد الفعل السياسي المخلّص . ثمّ إن الاحترام لذلك التيّار لا يتيح الاستنتاج بأنه حظي بالمكانة المؤثّرة أو بالحركة الفاعلة ؛ فالملاحظ أن الفكر العربي لم يعجب بذلك بل كأنه اكتفى بتمثّل ما هو إمكان في الإلحاد واللاتديّن : كالإيديولوجيات الداعية للتأسيس على العلم ، والدعوة إلى جعل العقل قائدا ، وزماما ، ومتبوعا ( بحسب تعبير الرازي ) ؛ ومن ثم الدعوة إلى الحرية ، والتركيز على قيمة الإنسان في حدّ ذاته أو تحريره من استلاباته والإيمان بقدراته ومسؤولياته . لعلّ للإلحاد وظيفة ربما بدت طفيفة عند التسرّع : إنّها تغسل ، وتنير الفكر بتحدّياتها للمألوفيات واليقينيات والتكاليف الدينية . فمن حيث ذلك ، يكون نفعها سلبيّا أي إنها بعنادها للفكر التأليهي ( والسلوك ، معا ) تدفع لإعادة تنظيم بنية الشخصية التقليدية والساكنة ، ويتبرّر المؤمن ، ويتعمّق الوعي الفلسفي العربي بتفاعل النقيضين ، ويغتني بصراعهما . ( علي زيعور ، الفلسفة في الذات العربية ، 205 ، 15 ) . - الإلحاد عودة إلى الإنسان في طبيعته الأصلية ، وإلى الإيمان به من حيث هو إنسان . فما دام الإنسان تابعا للغيب ، لا يمكنه أن يكون إنسانا . فتجاوز الوحي هو إذن تجاوز لإنسان الوحي ، أي تجاوز اللاإنسان إلى الإنسان الحقيقي ، إنسان العقل . الإلحاد ، لذلك ، ثورة حقيقية تهدف إلى أن تهدم سلطة يمارسها الإنسان ، باسم الوحي ، على الإنسان ، أو يمارسها ، باسم الغيب ، على الواقع ، إنه تهديم للشريعة وتجسداتها الاجتماعية - السياسية . ولهذا كان الإلحاد توكيدا على إرادة الإنسان الخاصّة بحيث يكون عقله ، شريعته وقوّته . المقدّس ، بالنسبة إلى الإلحاد ، هو الإنسان نفسه ، إنسان العقل ، ولا شيء أعظم من هذا الإنسان . إنه يحل العقل محل الوحي ، والإنسان محل اللّه . ومن هنا كان الإلحاد نواة لحياة المستقبل وفكر المستقبل ، مقابل التديّن الذي يردّ الحاضر كله ، فكرا وعملا ، والمستقبل كله إلى الماضي . إنه ، بتعبير آخر ، أول شكل للحداثة . ( علي سعيد ، الثابت والمتحول 1 ، 89 ، 15 ) . * تعليق * في الفكر النقدي - إذا كان الإلحاد عدولا عن المعتقدات الدينية والشرائع بأحكامها ، فهو يعتبر نسفا لمبادئ كل دين إلهي يؤمن به الإنسان ؛ هكذا ينمّ عن ظاهرة عقلانية مبطنة بالكفر والواقعية . يتحرّر بواسطته الإنسان من فروض فوقيّة ، ويضع نفسه في مواجهة كل حدث يغدو مسؤولا عنه ، سيّما وأنه « حرّ ومتحرّر » على حدّ قول الوجوديين الملحدين كونه تمرّد على عبودية اللّه وعبادته وأضحى سيّد قوله وفعله . يضع الإلحاد تفسيرا عامّا للكون ، بمنأى عن فكرة اللّه الخالق والمنظّم ، إذ يستحيل العقل مرجع التمييز والتقويم في كل شيء . هكذا يبين الملحد علميّ المنحى ، وضعيّ التوجّه ، لأنه يحلّل بوضوح ودقّة ظواهر الكون رافضا إقحام الأوهام الماورائية في معرفياته الساقطة حكما من قاموسه . بذا يتلاشى